الشيخ محمد رشيد رضا

529

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

بذواتهم فادعوهم فليستجيبوا لكم بأنفسهم ، أو ليحملوا الرب تبارك وتعالى على إعطائكم ما تطلبون منهم ان كنتم صادقين في قولكم ( هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ ) وقولكم ( ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى ) * * * ثم بيّن لهم أنهم أحط رتبة منهم لا أمثالا لهم ، فقال أَ لَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِها أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِها أَمْ لَهُمْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها ؟ هذا تقريع موجه إلى الوجدان ، في إثر احتجاج وجه قبله إلى الجنان ، والاستفهام فيه للانكار ، وهو خاص بالأصنام والأوثان ، ومعناه أنهم لفقدهم لجوارح الكسب ، التي يناط بها في عالم الأسباب النفع والضر ، قد هبطوا عن درجة مماثلتكم من كل وجه ، فليس لهم أرجل يسعون بها إلى دفع ضر أو جلب نفع ، وليس لهم أيد يبطشون بها فيما ترجون منهم من خير أو تخافون من شر ، وليس لهم أعين يبصرون بها حالكم ، وليس لهم آذان يسمعون بها أقوالكم ، ويعرفون بها مطالبكم ، فأنتم تفضلونهم في الصفات والقوى التي أودعها اللّه في الخلق ، فلماذا ترفعونهم عن مماثلتكم ، وهم بدليل المشاهدة والاختبار دونكم ؟ وها أنتم أولاء تستكبرون عن قبول الهدى والرشاد من الرسول وتعللون ذلك بأنه بشر مثلكم ، فيقول بعضكم لبعض ( ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ * وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ ) أفتأبون قبول الحق والخير من مثلكم ، وقد فضله اللّه بالعلم والهدى عليكم ، وهو لا يستذلكم بادعاء انه ربكم أو إلهكم ، ثم ترفعون ما دونه ودونكم إلى مقام الألوهية ، مع انحطاطه وتسفله عن هذه المثلية ؟ قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ أي قل أيها الرسول لهؤلاء المرزوئين بعقولهم ، المحتقرين لنعم اللّه تعالى عليهم ، نادوا شركاءكم الذين اتخذتموهم أولياء ، وزعمتم أنهم فيكم شفعاء ، ثم تعاونوا على كيدي جميعا ، واجمعوا مكركم الخفي لا يقاع الضرّبي سريعا ، فلا تنظرون أي لا تؤخروني ساعة من نهار ، بعد إحكام المكر الكبّار . وحكمة مطالبتهم بهذا ان العقائد والتقاليد الموروثة تتغلغل في أعماق الوجدان ، حتى يتضاءل دونها كل برهان ، ويظل صاحبها مع ظهور الدليل على